الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

303

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الابتلاء في الأموال والأنفس فيشمل الجهاد ، وأمّا الصبر على الأذى ففي وقتي الحرب والسلم ، فليست الآية مقتضية عدم الإذن بالقتال من حيث إنه أمرهم بالصبر على أذى الكفّار حتّى تكون منسوخة بآيات السيف ، لأنّ الظاهر أنّ الآية نزلت بعد وقعة أحد ، وهي بعد الأمر بالقتال . قاله القفّال . وقوله : فَإِنَّ ذلِكَ الإشارة إلى ما تقدّم من الصبر والتقوى بتأويل : فإنّ المذكور . و ( عزم الأمور ) من إضافة الصفة إلى الموصوف أي الأمور العزم ، ووصف الأمور وهو جمع بعزم وهو مفرد لأنّ أصل عزم أنه مصدر فيلزم لفظه حالة واحدة ، وهو هنا مصدر بمعنى المفعول ، أي من الأمور المعزوم عليها . والعزم إمضاء الرأي وعدم التردّد بعد تبيين السداد . قال تعالى : وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [ آل عمران : 159 ] والمراد هنا العزم في الخيرات ، قال تعالى : فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [ الأحقاف : 35 ] وقال : وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [ طه : 115 ] . ووقع قوله : فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ دليلا على جواب الشرط ، والتقدير : وإن تصبروا وتتّقوا تنالوا ثواب أهل العزم فإنّ ذلك من عزم الأمور . [ 187 ] [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 187 ] وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ ( 187 ) معطوف على قوله : وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [ آل عمران : 186 ] فإنّ تكذيب الرسول من أكبر الأذى للمسلمين وإنّ الطعن في كلامه وأحكام شريعته من ذلك كقولهم : إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ [ آل عمران : 181 ] . والقول في معنى أخذ اللّه تقدّم في قوله : وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ * [ البقرة : 34 ] ونحوه . و الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ هم اليهود ، وهذا الميثاق أخذ على سلفهم من عهد رسولهم وأنبيائهم ، وكان فيه ما يدلّ على عمومه لعلماء أمّتهم في سائر أجيالهم إلى أن يجيء رسول . وجملة لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ بيان للميثاق ، فهي حكاية اليمين حين اقترحت عليهم ، ولذلك جاءت بصيغة خطابهم بالمحلوف عليه كما قرأ بذلك الجمهور ، وقرأه ابن كثير ، وأبو عمرو ، وأبو بكر عن عاصم : ليبيّننّه - بياء الغيبة - على طريقة الحكاية بالمعنى ، حيث